عبد الملك الجويني

119

نهاية المطلب في دراية المذهب

فأما إذا قال المرتهن أولاً : أذنتُ لك في الوطء ، فما وطئتَ ، فقال الراهن بعده : أذنت لي فوطئتُ . ذكر الأئمة في هذه الصورة وجهين ورتبوهما على الخلاف في الصورة الأولى ، وجعلوا هذه الصورة الأخيرة أولى أن يصدَّق المرتهن فيها ، وعلّلوا بأن قول المرتهن إذا تقدَّم يتضمن عزل الراهن عن الإذن في الوطء ، فيقع قول الراهن بعد انعزاله ، وليس كالصورة الأولى إذا تقدم قول الراهن . وهذا ليس بشيء . وليس ما قاله المرتهن قطعاً للإذن ، ولا عزلاً ، وإنما هو خبر عن الإذن ، واعتراف به ، ثم ادعاءُ عدم الوطء ؛ فلا عزل إذاً . وحصل من الصورتين أوجه : أحدُها - أن القول قول المرتهن في الصورتين ؛ فإن الأصل عدم الوطء . والثاني - أن القولَ قولُ الراهن في الصورتين كما استشهدنا به من ادعاء الوكيل البيع الذي وكل به . والوجه الثالث - أنه يفصل بين أن يتقدم قول الراهن وبين أن يتقدم قول المرتهن ، فالمصدَّق من يقدَّم قوله . وهذا ما اختاره القاضي ، وهو ضعيف ؛ فإنه بناه على العزل ، وزعم أن قول المرتهن يتضمن عزلَ الراهن ، وهذا غيرُ مفهوم . ثم قال لو قال الوكيل بالبيع لموكله : أذنتَ لي في البيع ، فبعتُ ، وأنكر الموكِّل بيعَه ، واعترف بالإذن ، فالقول قول الوكيل . ولو قال الموكل أولاً : أذنت لك في البيع ، فلم تبع . وقال الوكيل : قد بعتُ . ذكرَ وجهين في هذه الصورة أخذاً مما تخيله من أن قول الآذن في ذلك رجوع عن الإذن . وهذا كلام عريٌّ عن التحصيل . 3573 - ومن مسائل الاختلاف : أن يتفقا على الإذن ، وجريان الوطء ، ويقول المرتهن : هذا الولد الذي أتت الجارية به ليس منك ، ولم تُعلقها أنت بوطئك ، وإنما زنت ، وأتت بولدٍ من غيرك ، فالقول في هذه الصورة قول الراهن بلا خلاف ؛ فإن أصل الإذن متفق عليه ، وكذلك جريان الوطء ، ولا يبقى بعد هذا في نفوذ الاستيلاد شيء إلا استلحاق المولود ، والاستلحاق إلى الواطىء ، وهو من الأمور المفوّضةِ إليه ، فلا معنى لتقدير مزاحمته . ثم وجدت الطرق متفقة على أن الراهن لا يحلَّف في الصورة الأخيرة ، ويكفي استلحاقُه . وإذا جعلنا القولَ قولَ الراهن في ادعاء الوطء ، فهل يحلّف ؟